ابن كثير

142

البداية والنهاية

تقشفا من شعبة ، ولا أنصح للأمة من ابن المبارك ، ولا أحفظ للحديث من الثوري . وقال مسلم بن إبراهيم : ما دخلت على شعبة في وقت صلاة إلا ورأيته يصلي ، وكان أبا للفقراء وأما لهم . وقال النضر ابن شميل : ما رأيت أرحم بمسكين منه ، كان إذا رأى مسكينا لا يزال ينظر إليه حتى يغيب عنه . وقال غيره : ما رأيت أعبد منه لقد عبد الله حتى لصق جلده بعظمه . وقال يحيى القطان : ما رأيت أرق للمسكين منه ، كان يدخل المسكين في منزله فيعطيه ما أمكنه . قال محمد بن سعد وغيره : مات في أول سنة ستين ومائة في البصرة عن ثمان وسبعين سنة . ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة فيها غزا الصائفة ثمامة بن الوليد فنزل دابق ، وجاشت الروم عليه فلم يتمكن المسلمون من الدخول إليها بسبب ذلك . وفيها أمر المهدي بحفر الركايا وعمل المصانع وبناء القصور في طريق مكة وولى يقطين بن موسى على ذلك ، فلم يزل يعمل في ذلك إلى سنة إحدى وسبعين ومائة ، مقدار عشر سنين ، حتى صارت طريق الحجاز من العراق من أرفق الطرقات وآمنها وأطيبها . وفيها وسع المهدي جامع البصرة من قبلته وغربه . وفيها كتب إلى الآفاق أن لا تبقى مقصورة في مسجد جماعة ، وأن تقصر المنابر إلى مقدار منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففعل ذلك في المدائن كلها . وفيها اتضعت منزلة أبي عبيد الله وزير المهدي وظهرت عنده خيانته فضم إليه المهدي من يشرف عليه ، وكان ممن ضم إليه إسماعيل بن علية ، ثم أبعده وأقصاه وأخرجه من معسكره . وفيها ولى القضاء عافية بن يزيد الأزدي وكان يحكم هو وابن علاثة في عسكر المهدي بالرصافة . وفيها خرج رجل يقال له المقنع بخراسان في قرية في قرى مرو ، وكان يقول بالتناسخ واتبعه على ذلك خلق كثير ، فجهز إليه المهدي عدة من أمرائه وأنفذ إليه جيوشا كثيرة ، منهم معاذ بن مسلم أمير خراسان ، وكان من أمره وأمرهم ما سنذكره . وحج بالناس فيها موسى الهادي بن المهدي . وفيها توفي إسرائيل بن يونس بن إسحاق السبيعي وزائدة بن قدامة وسفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أحد أئمة الاسلام وعبادهم والمقتدى به أبو عبد الله الكوفي . روى عن غير واحد من التابعين ( 1 ) وروى عنه خلق من الأئمة وغيرهم ، قال شعبة وأبو عاصم وسفيان بن عيينة ويحيى بن معين وغير واحد : هو أمير المؤمنين في الحديث . وقال ابن المبارك : كتبت عن ألف شيخ ومائة شيخ هو أفضلهم . وقال أيوب : ما رأيت كوفيا أفضله عليه . وقال يونس بن عبيد : ما رأيت أفضل منه . وقال عبد الله : ما رأيت أفقه من الثوري . وقال شعبة : ساد الناس بالورع والعلم . وقال : أصحاب المذاهب ثلاثة : ابن عباس في زمانه والشعبي في زمانه ، والثوري في زمانه . وقال الإمام أحمد : لا يتقدمه في قلبي أحد . ثم قال : تدري من الامام ؟ الامام سفيان الثوري . وقال عبد الرزاق : سمعت الثوري يقول : ما استودعت قلبي شيئا قط فخانني حتى

--> ( 1 ) حدث عن أبيه وزبيد بن الحارث وحبيب بن أبي ثابت والأسود بن قيس وزياد بن علاقة ومحارب بن دثار .